
الصادق الرزيقي يكتب: مع السنوسي.. كنز يمشي على قدمين
متابعات _ السودان لايف _ وإليكم محتوى المقال:
” ظهر اليوم عقب صلاة الجمعة في أحد مساجد أسطنبول، كنا مع الشيخ إبراهيم السنوسي، برفقته د. محمد الطيب الطبيب البيطري الزاهد العابد، والفريق أول يحيى محمد خير وزير الدولة للدفاع الأسبق، والأخ محمد عبد المنعم الفنان المبدع، والأخ عاطف آدم…
شيخ السنوسي جاء مستشفياً قبل فترة وأجرى عمليةً جراحيةً ناجحةً، نسعد الآن بالجلوس إليه ومسامرته، فذاكرته متقدة حادة كرمحٍ ناري، نراجع معه يومياً أحداثاً ووقائع في تاريخنا الحديث، خاصةً التي عاصرها منذ أكثر من 75 عاماً، وهو الآن على حافة عقد سنواته الثمانين، وهو سيطوي بعد حين 89 عاماً، مد الله في عمره وبارك أيامه..
أحاديث ممتعة، معلومات مذهلة، وأسرار تقال لأول مرة، لا تخلو قصعة ما يرويه من الجدي المذهل الشهي الذي يسيل له اللعاب. يحكي في سردٍ مترعٍ بالشجن طفولته في مدينة الأبيض ومراحله الدراسية وخلوة والده التي حفظ فيها القرآن الكريم طفلاً، وذاك أهله للانتظام باكراً في صفوف الحركة الإسلامية وهو يافع غض الإهاب..
لا تستطيع أن تفهم وتعرف تاريخ الحركة الإسلامية، وأهم الانعطافات في مسيرتها، والتحديات التي جابهتها، وتفاعلات الحركة السياسية السودانية خلال العقود الماضية (الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات والألفينيات) وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات، دون أن تفك شفرات ما جرى ويجري، إن لم يعطك إبراهيم السنوسي مفتاحاً ورمزاً لدخول المدار الساطع والصاخب الذي دارت فيه هذه الأحداث…
قصص وحكايات لا تمل… قصة نشوء الحركة الإسلامية ومؤتمرها اللاهب في النصف الأول من السنوات الخمسين في القرن الماضي، ولم تولد باسم (الإخوان المسلمين)، ولماذا تم الخلاف حول الاسم بين القادة الشباب آنذاك (الرشيد الطاهر بكر، الترابي، صادق عبد الله عبد الماجد وآخرين)، ثم عودة الترابي في مطلع الستينيات من باريس ليفوز بقيادة الحركة، ليخرج بعدها الرشيد الطاهر عندما خسر أمام الترابي في المؤتمر الثاني ويختار الدرب الآخر.
يقص عليك مراحل الانتقال الأول من تنظيم محدود نخبوي إلى تيارٍ سياسيٍ وتحالفاتٍ قدمت فيها أفكارٌ جريئةٌ، ثم يسكب لك الشيخ إبراهيم من إبريق الذكريات ما جرى بعد 1964 وخروج بابكر كرار وميرغني النصري وناصر السيد وعبد الله زكريا وتكوينهم للحزب الاشتراكي الإسلامي، ويضيف لك معلوماتٍ دقيقةً عن الديمقراطية الثانية ومساراتها حتى انقلاب مايو 1969، وأحداث الجزيرة أبا 1970، والاعتقالات، ثم انقلاب الشيوعيين 1971، ثم ثورة شعبان، وتكوين الجبهة الوطنية والذهاب إلى ليبيا وإثيوبيا وفتح معسكرات التدريب في الكفرة الليبية بدعمٍ من معمر القذافي تمهيداً لحركة يوليو 1976.
وهذه هي درة التاج في خزائن إبراهيم السنوسي، وهو ينثر أمامك خبايا وأسرار السياسة السودانية، ويدهشك بتقييمه للقيادات والشخوص (الشريف حسين الهندي، الصادق المهدي، محمد نور سعد، أحمد عبد الرحمن، مهدي إبراهيم، عمر نور الدائم، محمد عبد الله جار النبي، غازي صلاح الدين، والشهداء عبد الإله خوجلي وعبد الله ميرغني، وبقية شهداء 2 يوليو 1976م).
فهو ليس أفضل من يحدثك عن تلك الأحداث فحسب، بل يصورها بالكلمات وجمال الحكي وروعة القص، صوراً نابضةً بالحياة تجري أمامك، تكاد تسمع في كلماته وقع الأقدام وصدى الأحاديث ولعلعة الرصاص وهدير المدافع وعصف الصحراء الليبية الموحشة..
ويقفز بك فوق الأشواك، سارداً كل ما جرى وما كان يحدث في مصالحة جعفر نميري 1977 ومشاركة الإسلاميين في الحكم وفترة إعلان الشريعة الإسلامية، ثم الفترة من 1985 حتى يونيو 1989، وهي فترةٌ ذاخرةٌ بالتحولات والصراعات السياسية، وكيف تسابقت الأحزاب لاستخدام العصا الغليظة في سعيها نحو حسم المعترك السياسي..
يتوقف عند محطةٍ مهمةٍ…
كيف جاءت الإنقاذ؟
كيف تم التخطيط لها؟
كيف ولماذا قادها عمر البشير؟
من هم صناعها؟
تنسخ روايته كثيراً من المرويات، وتصحح معلوماته عديداً من الروايات…
يحكي باستفاضة عن مسيرة الإنقاذ في سنواتها الثلاثين، وما أحدثته من تغييرٍ في الداخل والإقليم، وظلالها في الخارج وصداها العالمي والمؤامرة عليها، وكيف كان العكوف من قادتها لإصلاح ما تخطئ فيه، ومؤدى خلافاتها العاتية وتلاطم صراعاتها، حتى حال موج الاختلاف العالي بين الإنقاذ وشيوخها الكبار الذين خرجوا أو أخرجوا من مشروعها، وكانت انتكاسةً أزرى بها الدهر الإسلاميين..
ويضعك شيخ إبراهيم، وهو واحدٌ من صناع القرار في الحركة الإسلامية لعقودٍ طويلةٍ، أمام الصورة الكاملة، ويطرح عليك أسئلة الخروج من الرمال المتحركة والطين الزلق..
وهو مشروع الوحدة من جديد، ما بدأه المرحوم د. حسن الترابي، نضر الله ذكراه وطيب مرقده، حين شرع في العام 2014 مع البشير مشروعاً للحوار والوحدة وسد الخلة ولم الشعث وجمع الشتيت…
الآن في خريف عمره، لدى السنوسي حلمٌ يراه في الأفق أمام ناظريه، أن تتوحد شيع وطوائف وأحزاب الإسلاميين ليعودوا صفاً متراصاً موحداً، وعليهم إحياء ما تركه الترابي بين أيديهم المتفرقة. سلامة البلاد من سلامة هذا التيار إذا توحد…
للسنوسي طريقةٌ واحدةٌ في التفكير تعلمها من مسيرة حياته…
عمل معلماً وناظراً لمدرسةٍ للبنات، فهو أكثر حرصاً وأمانةً وغيرةً، ثم وهو شابٌ في شرخ الشباب لعب في فريق المريخ العاصمي، يعرف الطريق نحو الهدف وكيف يصل إلى غاياته، فلا يتراجع عن هدفٍ سعى إليه..
ثم هو مقاتلٌ شرسٌ ومجاهدٌ تخضب التراب من دمه، يركز نظره للأفق البعيد ولا يرى أو يركز للنظر تحت قدميه… ”
#سبأ_ميديا_













