اخبار

هيهات… جيشٌ لا يُكسَر وشعبٌ لا يُباع

متابعات السودان الآن لايف

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                       

هيهات… جيشٌ لا يُكسَر وشعبٌ لا يُباع

كتب / د. أحمد علي عبدالقادر

في لحظات الأزمات الكبرى، تُختبر الأمم كما تُختبر المعادن في أتون النار؛ فإما أن تلين وإما أن تلمع. والسودان “هذا الوطن الذي علّم القارة معنى الصمود” لا يلين، بل يزداد لمعانًا كلما حاول المتربصون أن يطفئوا بريقه. اليوم، تقف البلاد على حافة مشهدٍ جديد، تتكالب فيه قوى دولية وإقليمية تريد أن تكسر جيشها، ظنًا منهم أن النصـر يأتي من بوابة إلغاء الجيوش وفتح الأبواب للمرتزقة والمليشيات.
يمشي قائد ويجيء قائد، ويبقى الجيش السوداني ثابتًا مثل نخلةٍ ضربت جذورها في صميم الفلاة. جيشٌ لم يَبنِ مجده على بيانات الخارج، بل على صدور أبنائه، وعلى أعناق آلاف الشهداء الذين مرّوا على تاريخ السودان كالكواكب: يظهرون في سماء الوطن ثم يمضون، لكن نورهم لا ينطفئ.
لم يكن تصريح القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان ” حين وصف ورقة مسعد بولس بأنها “أسوأ ورقة” مجرد رد دبلوماسي، بل كان صرخة وطن يرفض أن يتحول إلى “قطعة في رقعة شطرنج” تُدار من غرفٍ مغلقة خلف البحار.
الورقة التي طُرحت لم تكن مبادرة سلام، بل كانت — في جوهرها — محاولة لخلع قلب البلاد من صدرها. ورقة تلغي الجيش وتُبقي المليشيا، تُفكك الأجهزة الأمنية وتُحافظ على أدوات الفوضى.
فهل هذي وساطة أم وصاية ؟
وساطة تُسقط الجيش وتُثبت البندقية المرتزقة ليست وساطة… بل وصاية لا يقبلها حرٌّ ولا ترضى بها أمة.
والأدهى أن المبعوث، كما قال البرهان، يتحدث وكأنه “يُملِي” لا “يُسهِم”، ويُهدد باسم الإنسانية بينما يستند إلى تقارير منحازة، وبصوتٍ لا يُشبه صوت الوسيط بقدر ما يُشبه صوت الوكيل.
منذ أن اندلعت هذه الحرب العبثية، أدرك السودانيون — ربما لأول مرة بهذا الوضوح — أن الجيش ليس مجرد مؤسسة، بل عمود الوطن، وعموده إذا انكسر سقط السقف على رؤوس الجميع.
الشعب لم يقف وراء الجيش… بل وقف أمامه، يفتح له الطريق، يمده بالماء والزاد والدعاء.
أصبح كل بيتٍ ثكنة معنوية، وكل أمٍّ جندية دعاء، وكل طفلٍ نشيد وطن صغير.
في خضم الدمار، ووسط رماد الخرطوم وهي تستعيد أنفاسها، تشكّلت أعظم لوحة: شعبٌ يُقاتل بالمعنى، وجيشٌ يُقاتل بالفعل.
ما بين السيف والقلم، بين الخندق والمنبر، بين الدمعة والتراب…
اكتشف الناس أن العلاقة بين الجيش والشعب ليست علاقة قوة بضعيف، ولا حاكم بمحكوم؛ إنها علاقة روح بجسد… إذا تخلّى أحدهما عن الآخر مات الاثنان.
من اليوم فصاعداً… لا حياد في حياض الوطن
قالها القائد، ورددها الشعب قبله:
من اليوم فصاعداً، لا يقبل السودان وسيطاً محايدًا… فالحياد في وجود مليشيا تُدمّر المدن ليس حيادًا، بل استحياءً من قول الحق.
ومن يريد أن يكون وسيطًا فعليه أن يكون صديقًا يعرف الظلم إذا رآه، وحليفًا لا يساوي بين جيش شرعي ومليشيا مرتزقة.
أما “الوسطاء” الذين يشمون رائحة النفوذ أكثر من رائحة السلام، فهؤلاء لا مكان لهم إلا خارج خارطة الطريق السودانية.
الحرب اليوم ليست حرب بنادق فقط، بل حرب روايات.
هناك من يريد كتابة تاريخ السودان بقلمٍ أجنبي وحبرٍ أجنبي وحقيقةٍ أجنبية.
لكن القصة الحقيقية تُكتب الآن في الشوارع، في الخنادق، في أصوات الأطفال العائدين إلى المدارس المحررة…
تُكتب في صمود العاصمة التي حاولوا إسقاطها، فأسقطتهم.
تُكتب في ضباطٍ يقفون تحت الشمس بوجهٍ بشوشٍ رغم المحنة، وفي جنودٍ يقولون لذويهم قبل كل معركة:
“لو متنا… فالوطن حي، ولو عشنا… فالوطن أقوى.”
إنهم يريدون كسر الجيش ليستسهلوا احتلال البلاد،
لكنهم لم يفهموا بعد أن السودان ليس دولة تُحتل…
السودان حالة روحية، وذاكرة صعبة الكسر، وناسٌ إذا جاعوا صبروا، وإذا حوربوا انتصروا.
ولأنهم لا يعرفون تاريخ هذا الشعب، يظنون أن تغيير القادة يغيّر مصير الجيش.
نسوا أن القائد يمشي… ويجيء غيره… لكن الجيش باقٍ لأنه مُلكٌ للشعب لا للحكومات.
حين تُكتب هذه الحرب في كتب التاريخ، لن يُكتب فيها فقط من هدم، بل من بنى…
لن يُذكر فقط من خان، بل من صان…
لن يُسجَّل فقط صوت الرصاص، بل صوت الأم السودانية وهي تقول لولدها:
“أمش يا وليدي… نحنا وراك… ربنا يحفظ البلد.”
اليوم، ينتصر السودان لنفسه قبل أن ينتصر لجيشه.
ينتصر لكرامته، لسيادته، لحقه الأبدي في أن يُقرر مصيره بدون وصاية.
ولأن الشعوب لا تُهزم إلا إذا تخلّت عن جيوشها…
والسودانيون لم ولن يتخلّوا…
فإن هذه الحرب ” مهما طالت ” ستنتهي كما بدأت
جيشٌ ثابت… وشعبٌ ساند… وبلدٌ لا يُكسَر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى