حين وقف البرلمان وارتجف التاريخ: استقلالٌ يُختبر بالنار
كتب : د. أحمد علي عبد القادر
في التاسع عشر من ديسمبر 1955م، لم يكن البرلمان السوداني مجرد قاعةٍ من جدران، بل كان قلباً نابضاً بالتاريخ. هناك، وقف السودان على قدميه لأول مرة، لا ليطلب الإذن من أحد، بل ليُعلن بصوتٍ هادئٍ وحاسم أنه قرر أن يكون. لم تُرفع البنادق، ولم تُسفك الدماء داخل القاعة، لكن الكلمة كانت أمضى من الرصاص، والقرار كان أصدق من أي موكبٍ مدفوع من الخارج . هكذا يولد الأوطان العظيمة: من رحم الوعي، لا من عملاء السفارات الذين يتنكرون للوطن كل يوم .
ذلك اليوم لم يكن احتفالًا بجلاء مستعمر فحسب، بل إعلانًا عن ميلاد فكرة: أن السوداني، حين يتفق مع نفسه، يستطيع أن يهزم التاريخ ويُعيد كتابته. كانت لحظة صفاءٍ نادرة، حين اصطف النواب خلف وطنٍ واحد، لا خلف مصالحٍ ضيقة، ولا خلف حساباتٍ مؤجلة. يومها، قال السودان للعالم: “نحن هنا… وسنبقى”.
واليوم، بعد سبعة عقود، يُختبر الاستقلال لا في قاعة البرلمان، بل في الشوارع والقرى والمدن، في البيوت التي أطفأتها الحرب، وفي صدور أمهاتٍ ينتظرن نهاية عامٍ ثالثٍ من الطحن اليومي. تُحاول مليشياتٌ مدعومة إماراتياً أن تُفكك ما صاغته تلك اللحظة التاريخية؛ أن تُعيد الوطن إلى شظايا، وأن تُحوّل الدولة إلى غنيمة. لكن السودان “كما كان” لا يُهزم بسهولة. فالشعب الذي انتزع استقلاله بالكلمة، يعرف كيف يحميه بالصبر، وبالوعي، وبالدم حين يُفرض عليه الدم.
صمود هذا الوطن ليس أسطورة تُحكى، بل حقيقة تُعاش. هو صمود الجنود في المتاريس، والنازحين في الخيام، والأطباء في غرفٍ بلا كهرباء، والمعلمين الذين يدرّسون الأمل تحت ظل الحرب. هو صمود شعبٍ يعرف أن الاستقلال ليس تاريخياً يُحتفل به مرةً كل عام، بل عهداً يُجدد كل يوم.
وفي خضم هذا الامتحان القاسي، لا بد من كلمة حق تُقال: لمصر الشقيقة موقفٌ يُحسب لها، وقفةٌ واضحة مع وحدة السودان وسلامة أرضه في وجه التفكك. شكراً لموقفٍ يفهم أن أمن النيل لا يتجزأ، وأن التاريخ حين يتكلم، يُنصت للأشقاء الذين يقفون ساعة العسر لا ساعة الصورة.
أما الرسالة “غير المكتوبة” فهي أن الاستقلال لا يكتمل إن لم يشعر به المواطن. أن الدولة لا تُقاس بخطاباتها، بل بقدرتها على تخفيف وجع الناس. أن الحرب، مهما كانت مبرراتها، لا تُبرئ فسادًا، ولا تمنح حصانة لمن راكموا الثروة على حساب الجوع والخوف. الاستقلال الحقيقي هو أن يرى المواطن عدالةً وهو يفتقد الخبز، وأن يسمع صدقًا وهو محاصرٌ بالضجيج.
في ذكرى استقلالنا، نُعيد قراءة المشهد الأول داخل البرلمان، لا لنُقدّسه، بل لنسأله: هل ما زلنا أوفياء لتلك الكلمة؟ هل ما زالت الدولة تقف حيث وقف نوابها يومًا، خلف الوطن لا خلف أنفسهم؟
وهل اتعظ المتلاعبون باستقرار الوطن من مواكب كانت لصالح فئات واحزاب أجيرة عند الكفيل الخارجي استخدمت الثوار يوماً لتعيد ذات السيناريو في موكب أمس و الحرب لا زالت مستمرة؟
السودان يستحق إجابة… ويستحق أن تكون الإجابة بحجم تاريخه.













