الرباعية الدولية.. كيف للصوص أن يكونوا حرّاساً؟
كتب / احمد علي عبدالقادر
من السخرية أن يُقال إن ما يُسمّى بالرباعية الدولية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر) قادرة على حلّ أزمة السودان. كيف يُعقل أن يتحوّل اللاعبون أنفسهم إلى حكمٍ في مباراة أحرقت فيها مدن وشُرّد منها الملايين؟
أمريكا – التي تسمّي وزارة دفاعها “وزارة الحرب” دون خجل – تتدخّل عسكرياً حين تشاء في نزاع إيران وإسرائيل، ثم تمارس دور العرّاب العالمي عبر مجلس الأمن مستخدمة “الفيتو” كسيفٍ يقطع أوصال أي قرار يوقف مذابح غزة. فهل من يقتل الشرعية في فلسطين يُعيدها في السودان؟
الإمارات، بنك الجنجويد ومموّلهم السخي، جعلت من الخرطوم حلبة لتجاربها في “اقتصاد المرتزقة”، فتدفع لهم الرواتب بالدولار بينما تُغطي ذلك تحت عناوين براقة مثل “العمل الإنساني”. والسعودية، الشريك في ترويض الجنجويد على حدودها مع اليمن، تدرّب وتغذّي ذات الذراع التي تمزّق السودان اليوم. أما مصر، فقد صمتت عن فقرة “لا حل عسكري للحرب في السودان” وكأنها توقيع مجاني على بياض، بينما رئيسها – القادم على دبابة – ما زال يتبجح بشرعيةٍ نزعها بمدافع الجيش.
ولكي يكتمل المشهد العبثي، يظهر الاتحاد الأفريقي – ذلك الكيان الذي علّق عضوية مصر عقب الانقلاب ثم أعادها بلا تفسير – ليواصل الاعتراف بذات الرئيس وكأن القارة كلها تدور في حلقة مفرغة من التواطؤ.
الخيال العلمي هنا ليس خيالاً: تخيّل لو أن هذه الدول الأربع أرسلت أقماراً صناعية إلى مدار السودان لتمطر فوق الخرطوم قرارات “سلام” مثل زخّات النيازك، لكن على الأرض تُوزَّع الرواتب في بنوك أبوظبي، وتُرسل الذخائر من جازان، وتُغلق الملفات في نيويورك بالفيتو، وتُصفّق القاهرة ببرود. هل هذه وساطة أم هندسة حرب طويلة الأمد؟
الحقيقة أن من يملك مفاتيح الخراب لا يمكن أن يمنح صكوك النجاة. الرباعية ليست جسراً نحو الحل، بل بوابة إضافية لإطالة النزاع، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن السارق لا يتحوّل فجأة إلى شرطي، إلا في عوالم الخيال حيث تنقلب الحقائق.
السودان لا يحتاج إلى وصاية دولية ملوّثة، بل إلى إرادة أبنائه، إلى وعي بأن ما يُقدّم تحت مسمّى “الرباعية” ليس سوى برنامج تجريبي لإدارة الصراعات عبر التحكم عن بُعد.
ولعل المثال الأوضح أن السودان صار ككوكب تُجري عليه القوى الكبرى تجاربها: أمريكا تختبر أسلحتها الدبلوماسية، والإمارات تجرب قدرتها على شراء الولاءات، والسعودية تستعرض نفوذها عبر التدريب والتمويل، ومصر تواصل التفرج من مقعد “الوصي العجوز” الذي لا يملك إلا أن يكرر شعارات فارغة. المشهد أقرب إلى فيلم خيال علمي رديء: الأرض تحترق، المدن تنهار، والناس يهربون إلى المجهول، بينما المخرجون في الخارج يتجادلون حول من يملك حقوق بث النهاية.













