انسحاب هجليج … القرار الذي لم يُعلن !
كتب / د. محمد نور السموأل
قبل أيام من معركة بابنوسة، صدرت الأوامر للمليشيا بتنفيذ استراتيجية الأرض المحروقة، فكل خسارة تُلحق بالجيش تُعد مكسبًا للمليشيا، حتى وإن كان ذلك على حساب الموارد والمؤسسات الاستراتيجية، بما فيها مناطق النفط. وبما أن هجليج منطقة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وإقليمية حساسة، كان لا بد من اتخاذ قرار مبكر بعدم إدخالها في معارك مباشرة تُعرّض منشآت النفط للتدمير، حتى لا يتحمل الجيش وزر ذلك أمام الداخل والخارج.
بدأت القصة عندما زار وفد عسكري رفيع من السودان جمهورية جنوب السودان – وهي زيارة معلنة وتمت بالفعل – وتمت مناقشة ترتيبات تتعلق بحماية خط الأنابيب الممتد من مناطق الإنتاج إلى بورتسودان. ولم يكن هنالك “اتفاق عسكري مشترك” بالمعنى المباشر، لكن جرى تنسيق أمني وفني لضمان عدم تأثر خطوط النفط بالصراع الدائر. هذا التنسيق شمل تبادل معلومات حول التحركات على الحدود، ومراقبة أي نشاط مسلح قد يهدد البنية التحتية، خصوصًا مع نشاط الحركة الشعبية–جناح الحلو في بعض مناطق التماس.
كما كانت هناك أطراف عديدة تدخل على خط حماية منشآت النفط، بما فيها الشركات المالكة والممولة لخط الأنابيب، إضافةً إلى وجود اهتمام مباشر من المنظمات الإقليمية مثل الإيقاد، والهيئات الدولية التي تعتبر النفط موردًا أساسياً لاقتصاد البلدين. الجيش كان مدركًا أن وقوع معركة كبيرة قرب المنشآت النفطية قد يشكل ذريعة لقرارات دولية تحت ذريعة “حماية الموارد الحيوية”، وهو السيناريو الذي سعت إليه جهات عديدة لإضعاف سيادة الدولة السودانية.
ورغم الإحباط الشعبي الذي خلّفه الانسحاب، إلا أن الخطوة كانت صحيحة تمامًا من منظور استراتيجي. فالمعركة في هجليج ليست مجرد معركة ميدانية، بل هي معركة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، إذ تقع هجليج بالقرب من خط الترسيم الحدودي لعام 1956، ما يجعل أي اشتباكات كبيرة هناك ذات حساسية مضاعفة.
وبجانب مسؤولية التحرير العسكري، يتحمل الجيش كذلك مسؤولية الحفاظ على الأمن الاقتصادي للدولة وللمنطقة، وهذه مسؤولية تاريخية لا يدركها الذين ينظرون للأحداث بسطحية ويتعاملون مع الانتصارات الوهمية للمليشيا دون وعي. فالتكتيك العسكري يرى ما وراء اللحظة، وسحب القوات تم قبل ساعات من الهجوم المتوقع، حفاظًا على المقدرات الحيوية.
الجيش اتخذ القرار لكنه لم يعلن تفاصيله، لأن حساسية الملف تتطلب إدارة هادئة، وقد تم تبادل معلومات دقيقة حول التهديدات المحتملة مع الأطراف المعنية، بما فيها السعودية التي تمتلك استثمارات في خطوط النفط، كما جرى تحميل الجهات الداعمة للمليشيا مسؤولية أي تخريب، كما حدث سابقًا في مصفاة الجيلي.
وهذا الانسحاب لا يعني ضعف الجيش أو انكساره، بل هو جزء من إدارة معركة معقدة لها دهاليزها وحساباتها. فالمليشيا كثيرًا ما تقع في الفخ الذي تنصبه للجيش، والزمن — كعادته — سيكشف عبقرية التخطيط العسكري وقدرته على قلب الموازين.
وعندما دخلت المليشيا إلى ولاية الجزيرة سابقًا كانت قد كتبت نهاية وجودها هناك سلفًا. وفي عملية منظمة استطاع الجيش استعادة معسكراته وقياداته وكل مواقعه في ذلك المحور. وعندما حرر الجيش مدينة بحري، انهارت المليشيا وانسحبت دون أي مكاسب تُذكر، وهذه هي الخطة المحكمة التي أخذت وقتها ولكنها أثمرت نتائج إيجابية.
د. محمد نور السموأل
رئيس تيار الشباب المستقلين المساند للقوات المسلحة













